كيف يخدمُ الحاسوبُ عِلمَ التفسير؟

رسالةٌ ميسّرةٌ لطالب العلم والباحث — بلا مصطلحاتٍ تقنيّة

هذه رسالةٌ نُبيّنُ فيها — بعبارةٍ سهلة — ما الذي استطاعتْ آلةُ الحاسوب أن تخدمَ به عِلمَ القرآن. والفكرةُ في جوهرها بسيطة:

العالِمُ حين يتدبّرُ يتتبّعُ اللفظةَ في مواضعها ليعرفَ معناها الدقيق. والحاسوبُ يفعلُ الشيءَ نفسَه، لكنّه يتتبّعُ كلَّ كلمةٍ في كلِّ آيةٍ دفعةً واحدة — فيرى ما قد يخفى على النظرِ المفرد، دون أن يزيدَ حرفًا من عنده.

لا يُفتي الحاسوبُ ولا يُؤوّل؛ إنّما يَعُدُّ ويُقابِلُ ويُنبّه، ثمّ يرجعُ الأمرُ كلُّه إلى القرآن وكتب التفسير المعتمدة. فإن لم يجدْ دليلًا قال «لا أعلم»، ولا يخمّن.

١ القرآنُ يختارُ لفظَه بميزان — والحاسوبُ يُظهِرُ ذلك

من دقائق البلاغة أنّ القرآنَ يختارُ الكلمةَ دون قريبتِها لحكمةٍ. وقد قرّرَ العلماءُ كثيرًا من هذا بالتأمّل، فجاء الحاسوبُ فأظهرَه بجمعِ الكلمات التي تُرافِقُ كلَّ لفظةٍ في القرآن كلِّه:

مثالٌ جليّ: «الفوز»

تتبّعنا لفظَ «الفوز» في مواضعه السبعةِ والعشرين جميعًا، فوجدناه لا يأتي قطُّ لمكسبٍ دنيويّ، بل يُقرَنُ دائمًا بالجنّةِ والخلودِ والنجاةِ من النار:

«ذٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» · «فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ»

بينما لفظُ «الكسب» يُقرَنُ بالعملِ وتَبِعتِه (الخطأ، الإثم، الجزاء). فالنتيجةُ: «الفوز» في لسان القرآن نجاةٌ أخرويّةٌ خالصة، و«الكسب» عملٌ دنيويٌّ يُحاسَبُ عليه — فرقٌ محكمٌ ثابتٌ في كلِّ المواضع بلا استثناء.

مثالٌ ثانٍ: «الخشية» و«الخوف»

وجدنا أنّ «الخشية» تُرافِقُها معاني الغيبِ والإشفاقِ والصلاةِ، وأنّ «الخوف» تُرافِقُه معاني الجوعِ والحزنِ والعذابِ المحسوس. وهذا عينُ ما قرّرَه المفسّرون؛ قال أهلُ التفسير: «مَن يخافُ اللهَ وهو غائبٌ عنه»، وقالوا «الإشفاقُ هو الخوف». فالخشيةُ خوفُ العالِمِ بالغيبِ رهبةً وعبادة، والخوفُ فزعٌ من مكروهٍ حاضر.

وهكذا في نظائرَ كثيرة: «العفو» يُقرَنُ بالصفحِ والمحو، و«المغفرة» بسترِ الذنب · «الصراط» بالهدى والاستقامة، و«السبيل» بالسعيِ والجهاد · «الحمد» بالتسبيحِ والعبادة، و«الشكر» بالنعمةِ المحسوسة. كلُّها فروقٌ أظهرَها الجمعُ والمقابلة، وأكّدَها التفسير.

٢ لكلِّ مفسّرٍ طريقةٌ معروفة — والحاسوبُ يُحسِنُ محاكاتَها

مَن أدمنَ كتبَ التفسير عرفَ أنّ لكلِّ إمامٍ منهجًا يُميّزُه. وقد أحصى الحاسوبُ عباراتِ كلِّ إمامٍ في تفسيره كلِّه فبان منهجُه واضحًا:

الإمامطريقتُه (كما تبيّنَ)
الطبرييسردُ أقوالَ السلفِ بالأسانيد ثمّ يُرجّح: «القولُ في تأويله… وأولى الأقوال بالصواب…»
القرطبييستخرجُ الأحكامَ الفقهيّةَ في «مسائل»، ويُعنى بالإعراب
ابن عاشوريُعنى بالبلاغةِ والمناسبةِ ونظمِ الآيات (الاستعارة، الالتفات)
السعدييشرحُ المعنى مباشرةً ميسَّرًا: «أي:…»
ثمرةُ ذلك: صار بإمكاننا أن نعرضَ الآيةَ الواحدةَ بمناهجَ متعدّدةٍ معًا — كأنّها مجلسُ علمٍ يجتمعُ فيه هؤلاء الأئمّة. فطالبُ العلمِ يختارُ أن يقرأَ الآيةَ «على طريقة الطبري» بالترجيح، أو «على طريقة القرطبي» بالأحكام، أو «على طريقة السعدي» بالشرح الميسَّر. وهذا عونٌ للباحث لا بديلٌ عن نظره.

٣ القرآنُ نسيجٌ واحدٌ مترابط — والحاسوبُ يُقرّبُ هذا للعيان

بنينا شبكةً من الجذور: يصلُ الخطُّ بين جذرَين إذا ظهرا في الآية نفسها، لا إذا تلاصقت كلمتاهما. وفي هذه الشبكة بلغ متوسّطُ أقصر مسارٍ بين أزواج الجذور نحو ٢٫١٥ خطوة. هذا متوسّطٌ لا حكمٌ على كلِّ زوجٍ، ولا يقيسُ مباشرةً صِلاتِ المعاني أو تثبتُ به وحدَه وحدةٌ موضوعية.

برزتْ في تحليل الروابط جذورٌ تتصلُ بالرسالة والتنزيل والدعوة والإنسان والبعث. ويمكن للباحث أن يقرأ فيها موضوعَ صلةِ الله بالإنسان، لكنّ هذا تفسيرٌ للبيانات يحتاجُ إلى فحصِ النصوص والسياقات، وليس نتيجةَ العدِّ وحده.

٤ ما فائدةُ هذا كلِّه؟

٥ ضمانةُ الأمانة

القاعدةُ الحاكمة: القرآنُ هو الحَكَم، ثمّ ما صحّ من التفسير. والحاسوبُ لا يُنشئُ معنًى من عنده، ولا يُرجّحُ بهواه؛ إنّما يَعُدُّ ويُقابِلُ ويستشهدُ بالمصدر. وكلُّ نتيجةٍ مربوطةٌ بموضعِها من القرآن ونصِّ التفسير. وإن غابَ الدليلُ توقّفَ وقال «لا أعلم» — فالوقوفُ عند حدِّ العلمِ خيرٌ من القولِ بلا علم.
رسالةٌ ميسّرة · القرآنُ حَكَم · لا يُقالُ إلّا ما دلَّ عليه النصُّ أو التفسيرُ المعتمد · واللهُ أعلم.